لعلك تتذكر حين كان القمر يطاردك في صغرك ملاحقا إياك أينما ذهبت وكأنه يريد منك شيئا، على الأرجح كنت ترى ذلك الأمر غريبا إن لم يكن مخيفا. وإن كنت طفلا ذا غرور وذاتية مرتفعة مثلي فربما ظننت أنك المختار. كانت صدمةً عنيفة لي حين عرفت في النهاية أن القمر يتبع الجميع بصراحة. لكن يأتي السؤال هنا: لماذا كان القمر يتبعنا سائرا حذاءنا حين كنا صغارا؟
لاحظ أنني خصصت قائلا “حين كنا صغارا”، لأن القمر يبدو أنه يكف عن ملاحقتنا حين نكبر؛ ذلك لأننا نزداد خمولا وانعدام مبالة مع الوقت، وتصير نظراتنا خاوية هادئة بها حكمة مصطنعة. فلو سأل طفل أباه: انظر أبي، لماذا يتبعنا القمر؟ لضحك أبوه ضحكة مصطنعة ويده لا تزال على مقود السيارة، ثم يلتفت إليه في خمول قائلا: ذلك لأن القمر كبير وليس كما تراه! واعجبي. جدير بالذكر هنا أن هناك دراسة طلب فيها الباحثون من أشخاص يقرون بأنهم يفهمون كيف تسير الدراجة أن يرسموا الميكانزم الذي به تتحرك الدراجة فكانت نسبة من لم يستطيعوا ذلك كبيرة بشكل مفاجئ، مع أن بداخلهم ثقة عميقة بأنهم يفهمون فعلا ميكانزم عمل الدراجة.. وذلك ما يسمى بـالاعتياد.
دعنا من استطرادنا هذا، ولنعِد طرح السؤال: لماذا نشعر ونحن سائرون بالليل بأن القمر يسير معنا؟
حسنٌ، دعنا نتخيل أنك جالس في قطار وتسترق النظر من إحدى النوافذ.. إنك إن رأيت جبلا بعيدا ستشعر لفترة ما بأنك لا تتحرك بالنسبة له أو بعبارة أخرى: أنه يسير معك. في حين أنك إن مررت ببيت قريب مثلا أو شجرة فإنك ستشعر بأنك تتجاوزها، ذلك الشعور بالتجاوز لم تشعر به بنفس القوة مع ذلك الجبل البعيد. وكلما كان الجبل بعيدا طال الوقت الذي تستطيع فيه رؤيته من النافذة والعكس بالعكس. يمكنني هنا أن ألخص الأمر قبل الخوض أكثر – فأقول بإيجاز: إن بُعد المسافة هو العامل هنا. يمكنك أن تفهمها كالآتي: بعد المسافة بينك وبين الجبل، يجعل المسافة التي تتحركها بالقطار صغيرة نسبيا إذا قارنتها ببعد الجبل عنك، هكذا فإن شعورك بالتغير في زاوية الرؤية يصير طفيفا. بحيث أنك تراه لا يتحرك تقريبا وكأنه يتبعك.
لنأصلَ الأمر، قبل الشروع في التوصيف الرياضياتي للموضوع، دعني ألفت انتباهك إلى أن شعور التجاوز ذاك يعتمد على زاوية الرؤية وهي التي بين متجه الحركة [اتجاهِ سيرك] وبين الجسم الذي تنظر إليه. فلو كان التغير في تلك الزاوية طفيفا فإن شعورك بتغير موضع الجسم يكون طفيفا كذلك والعكس بالعكس.

والآن تأمل معي هذا الرسم التوضيحي، ستلاحظ أنه بانتقالك من الموضع أ إلى الموضع ب فإن الزاوية تغيرت بعد أن كانت قائمة، وقيمة الزاوية الجديدة يمكننا الحصول عليها من العلاقة:

سنلاحظ هنا أن التغير في الزاوية يساوي حاصل طرح زاويتنا الجديدة من الزاوية الابتدائية القائمة، أي أن:

وحيث أننا نعرف أن البعد بيننا وبين القمر كبير جدا بالنسبة للمسافة التي نتحركها، أي أن س أكبر بكثير من ص، فإن ذلك يعني أن حاصل قسمة ص على س سيكون رقما صغير جدا يقترب من الصفر. فإذن يمكننا القول أيضا أن التغير في الزاوية يقترب من الصفر، أو بعبارة أخرى: لا يوجد تغير في الزاوية تقريبا. نستنتج من ذلك أنك لن تشعر بـالتجاوز لأن زاوية الرؤية ثابتة تقريبا بسبب بعد القمر الكبير جدا بالنسبة للمسافات التي نقطعها؛ وذلك هو مربط الفرس. انتهى

